فصل: مسألة بدوي قال لامرأته أمرك بيدك فقالت التمسوا لي شقتي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال لها حرم علي ما حل لي منك إن قبلتك الليلة فاستغفلته فقبلته:

وسئل عن رجل قال لامرأته: حرم علي ما حل لي منك، إن قبلتك الليلة، فاستغفلته فقبلته وهو لا يريد ذلك، فردده مرارا، ثم قال: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما هذا الذي أردت، يعني بذلك أنها قبلتني ولم أرد ذلك على وجه أنه لم يركن ولم يداهن، فإذا حلف فهي امرأته.
قال محمد بن رشد: لم يذكر في هذه المسألة يمينا، في النذور من المدونة ولا في رسم سلف من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق، وهو الأظهر أنه لا يمين عليه في أنه لم يكن منه في ذلك مداهنة ولا استرخاء؛ لأن الزوجة إن ادعت ذلك، فهي مدعية للطلاق ومن قولهم: إنه لا يمين للمرأة على زوجها في دعواها الطلاق، وإن لم تدع ذلك عليه في دعواها، وإنما أتى مستفتيا، لم يصح أن يستحلف، إلا أن يتطوع لها باليمين تطييبا لنفسها. فهو حسن، وبالله التوفيق.

.مسألة كانت امرأته غائبة فتزوج امرأة فقدمت الغائبة عليه:

وسئل عن رجل كانت امرأته غائبة، فتزوج امرأة، فقدمت الغائبة عليه، فجزعت من نكاحه إياها عليها، فقال لها: لم تجزعين؟ يوم أختارها عليك، فطلاقها بيدك، فطلق الغائبة التي تزوجها عليها التي جعل الأمر في يدها. قال مالك: ما أرى طلاق الآخر، إلا بيدها، وأرى أنه قد اختارها عليها حين طلقها.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو حلف لها بطلاقها إن آثرها عليها فطلق الأولى، لطلقت عليه الثانية. قاله مالك في آخر كتاب الشفعة من المدونة في بعض الروايات، وهو صحيح بين، إذ لا امتراء في أنه قد آثرها عليها، إذ أمسكها وطلقها هي، وبالله التوفيق.

.مسألة تكون تحته المرأة فيتزوج عليها فتغار التي كانت تحته وتؤذيه:

وسئل عن رجل تكون تحته المرأة، فيتزوج عليها، فتغار التي كانت تحته، وتؤذيه فيقول لها: لا تؤذني. إن حبستها أكثر من سنة فأمرها بيدك. قال مالك: لا يعجبني أن يطأ الرجل امرأة طلاقها بيد الأخرى، أو أرى أن تطلق التي جعل فيها الشرط. قلت له: أفترى ذلك عليه؟ قال: ما أشبهه بذلك، وما أدري ما حقيقته. وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: لا يعجبني قوله، والذي استحسن في هذه المسألة، وما كلمت فيها من أرضى به، أنه يوقف، ويقال له: إما طلقت الآن، وإما كان أمرها بيد امرأتك الأخرى، التي جعلت أمرها بيدها، فإما طلقت، وإما أقرت الساعة.
قال محمد بن رشد: قول مالك: إنه يطلق التي جعل فيها الشرط، ليس ينقاس على أصولهم في أن من ملك رجلا أمر امرأته إلى أجل معلوم، أنه يوقف الآن، فإما أن يقضي وإما أن يرد، وكفى من الدليل على ذلك أن مالكا قد قال: إنه ما يدري ما حقيقته. وقول ابن القاسم هو الذي يأتي على المشهور من مذهبه. وروايته عن مالك في المدونة وغيرها في الذي يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثا، إن لم أطلقك واحدة إلى سنة، أو أنت طالق واحدة إن لم أطلقك ثلاثا إلى سنة، أنه يوقف الآن، فيقال له: إما طلقت امرأتك واحدة، وإلا طلقت عليك ثلاثا. ويأتي على مذهب من يرى أنه لا يوقف الآن، ويترك إلى الأجل حتى يرى إن كان يبر أو يحنث. وهو قول سحنون وأصبغ، وأحد قولي ابن القاسم، وعليه يأتي ماله في سماع أبي زيد، أنه لا يوقف الآن، ويترك إلى الأجل، فإن لم يطلق حتى يحل، كان أمرها بيد امرأته، وبالله التوفيق، لا شريك له.

.مسألة ملك امرأته نفسها فقضت بثلاث فقال إنما ملكتك واحدة:

ومن كتاب سن رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ:
وسئل عن رجل ملك امرأته نفسها، فقضت بثلاث، فقال: إنما ملكتك واحدة، وكان ذلك في مجلسهما. قال: أرى أن تحلف، قيل له: فإنه رد اليمين عليها، قال: لا، يحلف النساء في التمليك، وليس يحلف فيه إلا الرجال.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: لا اختلاف في المذهب أنه ليس للرجل أن يناكر امرأته، إلا أن يحلف على نية يدعيها، على ما جاء في ذلك عن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكذلك لا اختلاف في أنه ليس له أن يرد اليمين عليها، إذ لا يعلم صدقه من كذبه فيما ادعاه من النية.

.مسألة قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قد قبلت:

وسئل مالك عن رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، ثم سئلت بعد ذلك على الذي أرادت، فقالت: إنما أردت واحدة، فقيل له: أتستحلف إنما أرادت واحدة؟ فقال: لا يستحلف النساء في التمليك.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا يستحلف النساء في التمليك؛ لأن المرأة إذا جعل أمرها بيدها، صار الطلاق الذي كان بيد الزوج بيدها، والزوج إذا ادعي عليه الطلاق لا يحلف، فإذا كان الزوج لا يحلف مع تحقيق الدعوى، كان أحرى ألا تحلف المرأة فيما لا يحقق عليها فيه الدعوى، وهذا الذي نحا إليه مالك، والله أعلم.

.مسألة دعت زوجها إلى الفراق وأن تدفع إليه ماله:

وسئل عن المرأة دعت زوجها إلى الفراق، وأن تدفع إليه ماله. فقال: اشهدوا أني آخذ منها مالي وأطلقها وأفارقها، فإن هي كانت حاملا وطلبت مالها مني، فهي امرأتي. قال مالك: لا أرى الطلاق إلا وقد لزمه، ولا ينفعه هذا الشرط، فقيل له: فإنه لما أصبح من الغد، دفع إليها مالها وقد كانت دفعته إليه، وقال: لا أفارقك ولا أطلقك، وأنت امرأتي، قال مالك: قد لزمه الفراق، فإن أحب أن يرتجعها بنكاح جديد، يرد إليها ما أخذ منها، ويكون نكاحا جديدا، ولا ينفعه ما اشترط.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله وأن تدفع إليه ماله، أي أن ترد إليه ما أمهرها به، وساق إليها في صداقها من ماله. وهذا إذا فعلاه يكون الفراق فيه طلقة بائنة، وإن كانا قد لفظا بلفظ الفراق، ما لم ينصا على الثلاث؛ لأن الخلع يغلب على حكم كنايات الطلاق التي تحمل على البتات، فلا تكون كما يغلب على حكم الطلقة الواحدة التي تكون رجعية، فلا تكون رجعية.
وقوله: لا أرى الطلاق إلا وقد لزمه صحيح، وسواء في هذه المسألة قبض المال أو لم يقبض المال؛ لإشهاده على نفسه بقوله: اشهدوا أني آخذ منها مالي وأطلقها وأفارقها. ولو قال لها من غير أن يشهد على نفسه: ادفعي إلي مالي وأطلقك وأفارقك، فلما جاءته بالمال، قال: لا أقبضه ولا أطلقك؛ لأني لم أوجب ذلك على نفسي، وإنما قلت: إني أفعل ولست أفعل لجرى الأمر في ذلك على الثلاثة الأقوال التي مضت في التكلم على هذا المعنى في المسألة الثانية من أول السماع.
ووقع في بعض الروايات: اشهدوا بأني آخذ منها مالي، ولا أطلقها ولا أفارقها، والمعنى في الرواية بثبوت إلا في الموضعين كالمعنى في سقوطها منها؛ لأنها إذا ثبتت تكون صلة في الكلام، بمعنى وأطلقها وأفارقها كما هي في قول الله عز وجل: {لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ} [الحديد: 29]، وقوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95]، وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] صلة بمعنى: ليعلم، وأنهم يرجعون، وما منعك أن تسجد، وما أشبه هذا كثير، واشتراطه أنها إن كانت حاملا أو طلبت مالها فهي امرأته لا ينفعه، كما قال، ولا يجوز أيضا؛ لأنه شرط حرام؛ إذ لا يجوز أن ترجع إليه بعد أن بانت منه بالخلع إلا بنكاح جديد. وولي وصداق، فإن رد إليها مالها على الشرط المذكور، ولم يعثر على ذلك حتى دخل بها، فرق بينهما وكان لها ما رد إليها بالمسيس. وكان له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد بثلاث حيض. وقد قيل: إنه لا يتزوجها أبدا إن كان أصابها في العدة، ويكون كالمتزوج في عدة، قاله في مختصر ابن عبد الحكم، وهو بعيد، فإن عثر على ذلك قبل الدخول، كان له أن يجدد عقد النكاح معها بولي، ويجعل المال الذي قد كانت خالعته على رده إليه صداقها، كان قد رده إليها بعد أن دفعته إليه أو لم يرده، والله أعلم.

.مسألة قال لامرأته انتقلي عني فقالت لا أنتقل عنك حتى تبين لي أمري:

ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان:
وسئل مالك عن رجل قال لامرأته: انتقلي عني، فقالت: لا أنتقل عنك حتى تبين لي أمري: قال: انتقلي، ثم إن شئت طلقتك عشرين، فانتقلت ولم تقض شيئا، ثم ندما. قال: لا أرى عليه شيئا في قوله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة في ظاهر ألفاظها اضطراب؛ لأن قوله فيها: ولم تقض شيئا، يدل على أنه كان لها أن تقضي لو شاءت، ما لم يطل الأمر، أو ينقض المجلس، على الاختلاف في ذلك، وإن قوله: ثم إن شئت طلقتك عشرين، يوجب لها عليه تمليك الطلاق، بمنزلة اللو قال لها: فإن شئت الطلاق، فأنت طالق عشرين. وقوله: لا أرى عليه شيئا في قوله، يدل على أنه لا يلزمه به شيء، ولا يجب عليه لها به تمليك، والمسألة تتخرج عندي على الاختلاف في الذي يقول لامرأته: إن جئتني بكذا وكذا فارقتك، فيكون طلاقا ثلاثا إن شاءت الطلاق، على القول بأنه يلزمه طلاقها إن جاءت بذلك، ولا تكون طالقا إن شاءت الطلاق على القول الثاني بعد يمينه أنه ما أراد إلزام الطلاق نفسه بمشيئتها. وقد مضى ذكر هذا الاختلاف في أول رسم من السماع، وبالله التوفيق.

.مسألة وقع بينه وبين امرأته شر في إن استأذنته إلى بيت أهلها فقال لها أنت علي حرام:

وسئل عن رجل وقع بينه وبين امرأته شر، في إن استأذنته إلى بيت أهلها، فقال لها: أنت علي حرام، إن لم تبيتي معي في هذا البيت الليلة، قال: فوجدت المرأة حرا، فخرجت إلى دكان، غير باب البيت، فباتت عليه. وقال: إنما كانت أصل يميني، أريد بذلك ألا تذهب تبيت عند أهلها. قال مالك: أرى أن يحلف بالله ما أردت بذلك ألا تخرج من البيت، وإنما أردت بذلك ألا تبيت عند أهلها، فإن حلف فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: لم يراع البساط في هذه المسألة، إذ رآه حانثا بمقتضى لفظه، إلا أن تكون له نية، فحلف عليها، وذلك مثل ما في سماع سحنون من كتاب الأيمان بالطلاق، في مسألة البالوعة، والمشهور مراعاة البساط، فإن لم يكن للحالف نية حملت يمينه على بساطها، ولا تحمل على مقتضى اللفظ، إلا عند عدم البساط، على ما في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، في مسألة النقيب، وقد قيل: إذا لم يكن لها بساط يحمل على ما يعرف من عرف الناس لا كلامهم، ومقاصدهم بأيمانهم. والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في هذا المعنى مجردا في رسم جاع فباع، من سماع عيسى، من كتاب النذور، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول لامرأته أمرك بيدك فتقول قد طلقت نفسي ثلاثا:

ومن كتاب كتب عليه رجل ذكر حق:
وسئل مالك عن الرجل يقول لامرأته: أمرك بيدك، فتقول: قد طلقت نفسي ثلاثا، فيقول: لم أرد طلاقا، ثم يقول بعد ذلك: إنما أردت واحدة، قال: يحلف على نيته وتلزمه تطليقة واحدة، ولا يلزمه غيرها. قال أصبغ: هذا عندنا وهم من السامع، ولا يقبل منه نية، بعد أن قال: لم أرد شيئا، والقضا ما قضت المرأة من البتات.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ فما روى ابن القاسم عن مالك، من أن الزوج يحلف على ما ادعى من أنه أراد واحدة، وتكون واحدة بعد أن أنكر أن يكون إلا طلاقا، أن ذلك وهم من السامع، ليس بصحيح، بل الرواية في ذلك ثابتة عن مالك، وقد وقع له في ذلك في رسم الطلاق من سماع أشهب، وفي رسم الكبش من سماع يحيى، ومثله أيضا في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب الأيمان بالطلاق، فلا ينكر ثبوت القول؛ لأنه معروف، جار على أصل قد اختلف فيه قول مالك، من ذلك الذي يدعى عليه الوديعة فيجحدها، فتقوم عليه البينة بها، فيدعي ضياعها أو ردها، والقولان قائمان من المدونة من كتاب اللعان، وكتاب العتق الأول، وقول أصبغ: إن القضاء ما قضت به المرأة من البتات، يأتي على أحد قولي مالك، ولو أقام على قوله: إنه لم يرد بذلك طلاقا مثل أن يقول: إنما أردت أن أمرها بيدها في كذا وكذا، لشيء يذكره من غير معنى للطلاق، لوجب أن ينظر في ذلك، فإن تبين كذبه ببساط يدل على أنه أراد بذلك الطلاق، كان القضا ما قضت به المرأة من البتات، وإن تبين صدق قوله ببساط يشهد له، حلف ولم يلزمه طلاق، وإن أمكن ما يدعي من ذلك، ولم يتبين فيه صدقه من كذبه، حلف على ما ادعاه، وكانت واحدة، إذ لا يصدق في إبطاله، أقل ما يلزمه بالتملك الظاهر، وإنما له أن يسقط بيمينه ما زاد على ذلك، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب من كتاب طلاق السنة ما يؤيد هذا في مسألة الذي كتب إلى أبي زوجته أنه قد طلقها ليأتيها.

.مسألة بدوي قال لامرأته أمرك بيدك فقالت التمسوا لي شقتي:

وسئل مالك عن رجل بدوي قال لامرأته: أمرك بيدك، فقالت: التمسوا لي شقتي. وكان لها في بيته شقة، فأخذتها، ثم ذهبت إلى أهلها، وارتحل عنها إلى سفر، ولم يقل لها شيئا، وهو يريد بالذي قال لها: أمرك بيدك؛ الطلاق، وهي إنما أرادت بنقلتها الطلاق، ولم تقل شيئا، قال مالك: ما أرى هذا إلا فراقا حين انتقلت، وذلك الذي تريد بانتقالها وتركه إياها، وهو إنما ملكها وهو يريد الطلاق، فلا أرى ذلك إلا فراقا.
قال محمد بن رشد: الحكم في الذي يملك امرأته أمرها، فلا تجيب بشيء، وتفعل فعلا يشبه الجواب، مثل أن تنتقل، أو تنقل متاعها أو تخمر رأسها وما أشبه ذلك أن تسأل عما أرادت به، فإن قالت: لم أرد بذلك طلاقا صدقت. قاله في سماع زونان. وإن قالت: أردت بذلك الطلاق، صدقت فيما أرادت منه. قاله ابن القاسم في المجموعة.
واختلف إن قالت: أردت بذلك الفراق، ولم تكن لي نية، ففي العشرة ليحيى، عن ابن القاسم: أنها ثلاث، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، ما أرى ذلك إلا فراقا؛ لأن الفراق إذا أبهم في المدخول بها ثلاث. وقال محمد بن المواز: هي واحدة. واختلف أيضا إذا سكت عنها، ولم ينكر عليها فعلها حتى افترقا من المجلس، وقال محمد: تسأل أيضا، فإن قالت: أردت ثلاثا، كان للزوج أن يناكرها بنية يدعيها وقت التمليك، ويحلف على ذلك. قال أصبغ: يمينين: يمين أنه لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة، ولا رضي بذلك، يمين: أنه نوى واحدة. وقال ابن المواز: يجمع ذلك في يمين واحدة، وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم: إن انتقالها وسكوته على ذلك دون أن يسألها في المجلس عما تريد بانتقالها، يوجب عليه طلاق البتات، بكل حال، ولا يناكرها إن قالت: أردت الثلاث، ولا تصدق إن قالت: أردت واحدة.
وقول ابن القاسم هذا في العشرة صحيح. على قياس قوله فيها: إنها إذا أرادت بانتقالها الفراق، ولم تكن لها نية في عدد الطلاق، أنها ثلاث. وقول محمد: إنها تسأل أيضا بعد الافتراق صحيح، على قياس قوله: إنها إذا أرادت بانتقالها الفراق ولم يكن لها نية في عدد الطلاق، إنها واحدة. وأما قوله: إنه يحلف أنه لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة، ولا رضي بذلك، فليس يلتام على أصله في أنها تسأل، وإن لم تكن لها نية، فهي واحدة، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قد قبلت:

وسئل مالك عن رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، فقال: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، فقال: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، فقال مالك: تسأل فإن كانت أرادت الطلاق، فهو ثلاث تطليقات.
قال محمد بن رشد: أما إذا قال الزوج: لم تكن لي نية، فلا كلام في أنها ثلاث تطليقات، وأما إن قال: لم أرد إلا واحدة، ففي كتاب محمد عن مالك: أنها ثلاث. قال محمد: والأحسن عندنا أن القول قول الزوج، ويحلف، وتكون واحدة؛ لأنه يقول: إنما أردت التكرار عليها؛ لتبين ما أرادت بقولها: قد قبلت. وقاله لنا عبد المالك. قال محمد: ولو أنها أبانت، فقالت: قد طلقت، ثم ثنى فقالت: قد طلقت، ثم ثلث فقالت: قد طلقت؛ لكان ذلك ماضيا. وقول محمد في قولها: قد قبلت، يدين جيد. وأما قوله في قولها: قد طلقت: إن ذلك ماضيا، يريد الثلاث، فإنما بناه على مذهبه في أن المملكة إذا قالت: طلقت نفسي لا تسأل، وتكون واحدة. وأما على مذهب ابن القاسم الذي يقول: إنها تسأل في طلقت نفسي؛ لاحتمال أن تريد به الثلاث، فقد يحتمل أن ينوى الزوج في أنه أراد التكرار عليها؛ لتبين ما أرادت بقولها: قد طلقت، فتكون واحدة على هذا التأويل.
قال محمد في الذي يقول لامرأته: أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك، فتقول: قد قبلت، لكل واحدة طلقة، ويقول الزوج: ما أردت إلا واحدة؛ أنها واحدة. وقاله عبد المالك، وهذا صحيح على قياس قول الرجل لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وأراد واحدة؛ أنها واحدة. ولو لم تكن له نية لكانت ثلاثا، فكذلك التمليك. وقد روي عن مالك فيمن ملك امرأته، فقالت له: كم ملكتني؟ فقال: ملكتك مرة، ومرة، ومرة، ففارقته، فقال مالك: ليس ذلك بثلاث، إذا حلف أنه ما ملكها إلا واحدة. قال أبو إسحاق: وفي هذه إشكال؛ لأنه أبان بقوله: مرة، ومرة، ومرة، أنه ثلاث مرار، فكان يجب أن يكون لكل تمليك طلقة، فتكون ثلاثا، إلا أن يكون قصد إلى حكاية الألفاظ أنها منه ثلاث مرات، يريد بها تمليك واحد، فينوى في ذلك، والله أعلم.

.مسألة يضرب لها زوجها أجلا ثم يغيب عنها:

ومن كتاب الشريكين يكون لهما مال:
وقال مالك: في المرأة يضرب لها زوجها أجلا، ثم يغيب عنها، إن جاء إلى سنة، وإلا فأمرها بيدها، فانقضت السنة، ثم سئلت فقالت: أنتظر شهرا أو شهرين، أو نحو ذلك، فإن جاء وإلا رأيت رأيي. قال مالك: أرى ذلك لها إذا كان على وجه النظر.
قال محمد بن رشد: قوله: ذلك لها إذا كان على وجه النظر، معناه ذلك لها أن تفعله على وجه النظر لنفسها، لا أن ذلك على سبيل الشرط الذي الحكم فيه أن ينظر فيه، فإن كان حظا وغبطة وسدادا جاز، وإلا لم يجز، ولا يمين عليها في هذه المسألة باتفاق؛ لأنها بينت أنها إنما أقامت متلومة له، غير تاركة لحقها، وإنما يختلف في يمينها إذا أقامت، ولم تقل شيئا. وقد مضى القول على ذلك في رسم حلف.

.مسألة قال لامرأته أمر امرأتي بيدك فقالت قد فرقت بينكما بالبتة:

وقال مالك: في رجل قال لامرأته: أمر امرأتي بيدك، فقالت: قد فرقت بينكما بالبتة، قال مالك: أرى أن قد وقع عليها الطلاق. قال ابن القاسم: يريد إلا أن ينكر، مثل ما لو جعل ذلك بيد امرأته، فإن كانت له نية حين جعل أمرها في يد المرأة، فناكرها، أحلف كما كان يحلف في امرأته، وإن صمت لزمه ذلك، وإن لم تكن له نية حين جعل ذلك بيدها، وتأخر حتى تقضي، لم ينفعه ذلك. وهو رأيي.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم مفسر لقول مالك، مثل ما في المدونة وغيرها لا إشكال في ذلك، ولا اختلاف في المذهب، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة يغيب عن امرأته فتطول إقامته بالبلد، فيكتب إليها ليخيرها:

ومن كتاب البز:
وسئل مالك: عن الرجل يغيب عن امرأته، فتطول إقامته بالبلد، فيكتب إليها ليخيرها، أترى أن قد خرج من الماء؟ ثم قال: نعم. وقد سأل عمر بن الخطاب حفصة: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: أربعة أشهر، أو ستة أشهر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المرأة إنما تتزوج الرجل لتسكن به، وتأنس إليه به، وتستمتع منه؛ قال عز وجل:
{خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فليس للرجل أن يغيب عن امرأته المدة التي يضر بها مغيبه عنها، وهي ما فوق الأربعة الأشهر والستة، التي أخبرت حفصة أن المرأة تصبر فيها عن زوجها. فإن فعل فهو آثم، إلا أن تأذن له في ذلك، فإذا خيرها فأذنت له في ذلك، فليس عليه أكثر من ذلك؛ لأنه حقها، فإذا أباحته له وحللته منه، لم يكن عليه فيه إثم.
وقول حفصة هذا هو أصل ما يكتب في شروط الصدقات، من ألا يغيب عنها أكثر من ستة أشهر، إلا في أداء حجة الفريضة عن نفسه، فإن فعل فأمرها بيدها، ولا يفرق بينهما بمغيبه عنها هذه المدة حتى يطول ذلك، والسنتان والثلاث في ذلك ليس بطويل. قاله في رسم شهد، من سماع عيسى، من كتاب طلاق السنة، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم الشريكين، من سماع ابن القاسم منه، وبالله التوفيق.

.مسألة الأمة يكون نصفها حرا ونصفها مملوكا فيخطبها عبد فتابا أن تتزوجه:

وسئل مالك عن الأمة يكون نصفها حرا، ونصفها مملوكا، فيخطبها عبد فتابا أن تتزوجه، فسألها سيدها، فطاوعته على تزويجها، ثم عتقها. أترى لها الخيار؟ قال: نعم، أرى ذلك لها. قال: فقلت له: ألم يكن لها أن تابا، ولا يجبرها سيدها على نكاحها؟ قال: بلى. قلت: فكيف يكون لها الخيار. قال: حالها كحال الأمة، وإنما ذلك بمنزلة ما لو أن أمة ليس فيها عتق، طلبت إلى سيدها أن يزوجها عبدا ففعل فزوجها، فله الخيار. قلت: إن هذه يخيرها سيدها، وإن الأخرى لم يكن سيدها أن يخيرها. قال: بلى، ولكنها في حالها وحدودها. وكشف شعرها في مثل حال شأن الأمة، فلا أرى لها إلا ذلك، وأن يكون لها الخيار.
قال محمد بن رشد: ليس العلة عند مالك في تخيير الأمة إذا أعتقت تحت عبد ما كان لسيدها من جبرها على النكاح، وإنما العلة في ذلك عنده، كون زوجها ناقصا عن مرتبتها، ولذلك يقول: إنه لا خيار لها إذا أعتقت وزوجها حر، فوجب على هذا إذا تزوجت عبدا وبعضها حر برضاها أن يكون لها الخيار إذا أعتق ما بقي منها، لنقصان مرتبة زوجها عن مرتبتها.
ويأتي على قول أهل العراق، الذين يقولون: إن الأمة تخير إذا أعتقت، كان زوجها حرا أو عبدا، ويرون العلة في تخييرها ما كان لسيدها قبل أن تعتق من جبرها على النكاح، إلا أن يكون لها خيار إذا أعتق ما بقي منها، كانت تحت حر أو عبد، إذ لم يكن لسيدها أن يجبرها على النكاح، من أجل أن بعضها حر، وهو بعيد.

.مسألة اطلع على امرأته بزنا هل له أن يضارها حتى تفتدى منه:

ومن كتاب باع غلاما بعشرين دينارا:
وسئل مالك عن رجل اطلع على امرأته بزنا، هل له أن يضارها حتى تفتدى منه؟ قال: لا ينبغي له ذلك يضارها إن أحدثت أن يستحل مالها بذلك، يضارها حتى تفتدى منه، ولا أرى ذلك يصلح له.
قال محمد بن رشد: لا يحل للرجل إذا كره المرأة أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدى منه، وإن أتت بفاحشة من: زنا، أو نشوز، أو بذاء؛ لقول الله عز وجل: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} [النساء: 20]، إلى قوله: {غَلِيظًا} [النساء: 21]، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، لا اختلاف بينهم فيه. ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدى منه؛ لقول الله عز وجل: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، وتأول أن الفاحشة المبينة هاهنا: الزنا. وجعل الاستثناء متصلا.
ومنهم من تأول أن الفاحشة المبينة: البغض، والنشوز، والبذا باللسان، فأباح للزوج إذا أبغضته زوجته، ونشزت عنه، وبذت بلسانها عليه، أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدى منه، ومنهم من حمل الفاحشة على العموم، فأباح للزوج ذلك، كانت الفاحشة التي أتت بها زنا، أو نشوزا، أو بذاء باللسان، أو ما كانت، والصحيح ما ذهب إليه مالك رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأنه إذا ضيق عليها حتى تفتدى منه، فقد أخذ مالها بغير طيب نفس منها، ولم يبح الله ذلك إلا عن طيب نفس منها: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، والآية التي احتجوا بها، لا حجة لهم فيها؛ لأن الفاحشة المبينة فيها من جهة النطق أن تبذو عليه، وتشتم عرضه، وتخالف أمره؛ لأن كل فاحشة أتت في القرآن منعوتة بمبينة، فهي من جهة النطق، وكل فاحشة أتت فيه مطلقة، فهي الزنا، والاستثناء المذكور فيها منفصل، فمعنى الآية لكن إن نشزن عليكم، وخالفن أمركم، حل لكم ما ذهبتم به من أموالهن، معناه إذا كان عن طيب أنفسهن، ولا يكون ذلك عن طيب أنفسهن إلا إذا لم يكن منهم إليهن ضرر ولا تضييق. فعلى هذا التأويل، تتفق آي القرآن ولا تتعارض، وقد قيل في تأويل الآية غير هذا، وهذا أحسن، والله أعلم.

.مسألة عاتبته امرأته فقال برئت مني:

وسئل مالك عن رجل عاتبته امرأته، فقال: برئت مني. قال: هذا بين أنه لا شيء عليه، وهذا من كلام الناس عند العتاب، ولا أرى فيه شيئا، فإن اتهم، فإن أشده أن يحلف.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن برئت مني، من ألفاظ الطلاق التي تصلح أن تقال عند العتاب عتابا، فإذا قال ذلك الرجل لامرأته في العتاب، لم يلزمه به طلاق إلا أن يريد الطلاق، فإن أتى مستفتيا لم يلزمه فيه طلاق ولا يمين، وإن خاصمته امرأته وأثبتت عليه أنه قال ذلك لها في العتاب، استظهر عليه باليمين؛ لاحتمال أن يكون أراد بذلك الطلاق. وإن كان قاله في العتاب؛ لأنه من ألفاظ الطلاق، ولو قال ذلك لها في غير عتاب لبانت منه امرأته بثلاث. وهذا مثل ما في المدونة في الذي يقول لامرأته: لا نكاح بيني وبينك، ولا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك؛ لأنه قال فيها: إنه لا شيء عليه، إذا كان الكلام عتابا، إلا أن يكون أراد بذلك الطلاق. وقال فيها في الذي يقول لامرأته: ما أنت لي بامرأة، أو لست لي بامرأة، أو لم أتزوجك؛ لأنه لا شيء عليه في ذلك، إلا أن يريد بذلك الطلاق. واختلف إذا أراد به الطلاق، ولم تكن له نية في عدده. فقيل: تكون واحدة، وقيل: تكون ثلاثا. وقد مضى ذلك في آخر سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة، وستأتي منه مسألة في سماع أبي زيد، والله أعلم.

.مسألة قال لأهل امرأته شأنكم بها:

وقال مالك: فيمن قال لأهل امرأته: شأنكم بها. قال: إن كان لم يدخل بها، فإنه بين أنه ليست تكون عليه إلا واحدة، وإن كان قد دخل بها، فإني أراها قد بانت منه، وهو عندي يشبه أن يقول: قد وهبتك لأهلك، أو قد رددتك إلى أهلك. قيل: أرأيت إن قال: إنما أردت بالتي دخلت بها بقولي: شأنكم بها واحدة؟ قال: ليس هذا بقول، والذي أرى أنها قد بانت منه.
قال محمد بن رشد: قوله في شأنكم بها، وقد وهبتك لأهلك، ورددتك إلى أهلك: إنها في غير المدخول بها واحدة، والمدخول بها ثلاث، إلا أن ينوي واحدة، وكذلك الخلية والبرية والبائن، ولا ينوى خلاف ما في المدونة، وما في رسم يوصي، من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق، وخلاف المشهور من أنها في غير المدخول بها ثلاث، إلا أن ينوي واحدة، وفي المدخول بها ثلاث ولا ينوى، وقد قيل: إنها في غير المدخول بها واحدة. وفي المدخول بها، إلا أن ينوي واحدة، وكذلك الخلية والبرية والبائن، يدخل فيها كلها هذه الثلاثة أقوال، وظاهر قول غير ابن القاسم في العتق من المدونة: أن الموهوبة ثلاث قبل الدخول وبعده، ولا ينوى في ذلك؛ لأنه قال: إنه إذا وهبها فقد وهب ما كان يملك منها، وقد كان يملك منها جميع الطلاق، وقد قيل في شأنكم بها: إنها واحدة قبل الدخول وبعده، وهو الذي وقع في الموطأ من قول القاسم بن محمد، فرأى الناس ذلك تطليقة. وأما خليتك وخليت سبيلك، وسرحتك، وفارقتك، وما أشبه ذلك، فقيل: إنها ثلاث في المدخول بها، وفي التي لم يدخل بها إلا أن ينوي واحدة. وقيل: إنها واحدة في التي لم يدخل بها، وثلاث في التي قد دخل بها، إلا أن ينوي واحدة، والقياس أن ما كان من هذا كله قبل الدخول ثلاث، إلا أن ينوي واحدة، فهو بعد الدخول ثلاث، وإن زعم أنه نوى واحدة، وما كان منها يكون قبل الدخول واحدة، إلا أن ينوي ثلاثا، فيكون بعد الدخول ثلاثا، إلا أن ينوي واحدة، وبالله التوفيق.